اخبارمنوعات

الصين والرياده نحو المستقبل

بقلم أ.د/ محمود المتيني

،رئيس جامعة عين شمس وأستاذ جراحة وزراعة الكبد ورئيس وحدة زراعة الأعضاء بجامعة عين شمس

ألم نكن بالأحرى محظوظين أن تكون الصين هي المحطة الأولى في مواجهة الوباء والتصدي له؟ سؤالاً يجول في خاطر كل إنسان، بل تأكيدًا على الدور الذي لعبته الصين في مكافحة وباءًا غير مسبوق أطاح بدولٍ عدة بغضِّ النظر عن قوتها الاقتصادية، بل وقف الجميع مكتوفي الأيدي أو بطريقة أخرى موقف المُشاهد لمَنْ يقوم بدور الريادة في التصدي له. وهكذا تعلًمنا جميعًا كيف نخطو خطوات سيذكرها التاريخ في انقاذ العالم، فعالمنا عالم واحد نعيش فيه جميعًا وهذه الفكرة يجب أن تتأصل في فكرنا على حد سواء في هذا العصر وما نحياه فيه من عولمة وسرعة ومعلوماتية كبيرة تحتاج منا مواكبتها.
بدأ دور الصين يتبَلْوَر منذ الإعلان عن فيروس كورونا المستجد وتداعياته ورفع الأمر إلى منظمة الصحة العالمية، بل وتزويدها بكافة المعلومات عن الفيروس، بما يجسِّد فكرة “العالم الواحد” و”مجتمع المصير المشترك للبشرية”. وظهر الخوف على الدول الاقتصادية الكُبرى من تأثير كورونا على اقتصاديتها في الداخل والخارج، ولكن من أجل تحسين نظام الحوكمة العالمية والحفاظ على النظام الدولي، كان لا غنى عن الاتحاد الوثيق والصلب بين الصين والدول العربية وعلى رأسها مصر في تبادل المعرفة والخبرات في مواجهة هذه الجائحة، وذلك في إطار مبادرة الحزام والطريق وما أرسته من نموذج يُحتذى به –”طريق الحرير الصحي”.
جاءت قمّة بكين لمنتدى التعاون الصيني-الإفريقي والقمّة الصينية-الإفريقية الاستثنائية حول التضامن ضد فيروس كورونا الجديد “كوفيد-19” في بكين تأكيدًا على دور الصين في السعي دائمًا من أجل عالم واحد يعيش في أمن واستقرار وسلام. حيث كانت تواصل مساعدة البلدان الإفريقية عبر إرسال فرق الخبراء، وتوفير وتيسير شراء المستلزمات الطبية من الصين. كما تعتزم البدء في بناء المركز الإفريقي للسيطرة على الأمراض والوقاية منها، قبل الميعاد المقرر هذا العام، والعمل مع إفريقيا في التنفيذ الكامل لمبادرة الرعاية الصحية. وأيضًا أكد الرئيس شي جين بينغ في كلمته على أهمية منح أولوية أكبر للتعاون في مجالات الصحّة العامة وإعادة فتح الاقتصاد، وتحسين الأوضاع المعيشية للشعوب وذلك في إطار مبادرة الحزام والطريق.
لطالما كان لمصر الريادة والنصيب الأكبر من بين الدول على طول الحزام والطريق نظرًا لموقعها الجغرافي وتاريخها العريق، وأيضًا علاقات الصداقة والود التي تربطها بالصين على مدار 64 عامًا من العلاقات الدبلوماسية، أبدًا لم تتخذ دور المُشاهِد بل سارعت إلى إرسال المساعدات الطبية، وعبَّرت عن مساندتها للصين في ظل هذه الجائحة، حيث بعث الرئيس عبد الفتاح السيسي وزيرة الصحة والإسكان الدكتورة هالة زايد على رأس وفد محمَّلة برسالة تضامن من الشعب المصري للشعب الصيني في مواجهة الأزمة. ومن جانبه، أشاد الرئيس السيسي بالنموذج الذي قدَّمته الصين لاحتواء الوباء، مؤكدًا على أهمّية تعظيم الاستفادة من الدروس المستخلصة من تجارب الدول التي قطعت شوطًا أطول في النجاح في محاصرة فيروس كورونا.
كان لإضاءة قلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة، ومُجَمَّع معابد الكرنك بمحافظة الأقصر، ومعبد فيلة في أسوان جنوبًا، بألوان علم الصين عظيم الأثر في الدعم المعنوي على حدٍ سواء. وأن هذه المقاصد الأثرية هي الأهم والأكثر شهرة في مصر، وتم اختيارها تحديدًا لإضاءتها بألوان علم الصين بحيث يكون هناك تنوُّع، وبهدف “التضامن مع الجانب الصيني”، وفي إطار “العلاقات الطيبة” بين البلدين، خاصة وأنها تعتبر تجسيدًا حيًا لقوة وعمق الصداقة بين البلدين كأقدم حضارتين في العالم. فمنذ انتشار فيروس كورونا المستجد بادر الرئيس عبد الفتاح السيسي بإعلان تضامن مصر حكومة وشعبًا مع حكومات وشعوب العالم أجمع في محاربة الفيروس، ومن ثَمّ باتت طائرات القوات المسلحة المصرية المُحمَّلة بالمستلزمات الطبية تجوب أكثر الدول انتشارًا للوباء، بداية بالصين وأمريكا وإيطاليا والسودان ثم الكونغو وزامبيا لتلعب دورها في دعم الدول الواقعة على طول الحزام والطريق.
في ظل هذه الظروف قامت إدارة جامعة عين شمس وهي جامعة مصرية حكومية عريقة بمسؤليتها تجاه حوالي 3 مليون شخص منهم 310000 طالب وعضو هيئة تدريس وإداريين وأطقم طبية بالإضافة إلى أسرهم و1.5 مليون مريض يتردد سنويًا على مستشفيات جامعة عين شمس معظمهم من غير القادرين. مع هذه المهام، لم يكن ينبغي إغفال دور الجامعة تجاه المجتمع ودعم مجهودات الدولة في هذا الإطار. وعلى الرغم من ضخامة المهمة إلا أن هذه المحنة انبثق عنها تعاون محلي ودولي في المشاركة في إدارة الأزمة وتبادل الخبرات والإحصائات بين الدول. كما دفعت هذه الأزمة عمليات التحوُّل الرقمي في مختلف مجالات الحياة وبشكل خاص في مجال الرعاية الصحية مما أدى إلى وضع تصورات جديدة لرفع كفاءة الخدمة الصحية مع ترشيد الإنفاق. وتجلَّى الدور المهم الذي تقوم به جامعة عين شمس ومستشفياتها في مواجهة أزمة كورونا في إطار خطة نفَّذتها الجامعة لتأهيل مستشفياتها للتعامل مع هذه الأزمة، حيث قامت بتجهيز مستشفى عين شمس التخصصي بمدينة العبور كمستشفى عزل للحالات الإيجابية، إلى جانب تجهيز المدينة الجامعية للطلاب، وذلك بالتعاون مع القوات المسلحة كمستشفى عزل مؤقَّت، للحالات الإيجابية البسيطة، وذلك بطاقة استيعابية تصل إلى 2389 سريرًا. كما تم إجازة 7 أبحاث من لجنة أخلاقيات البحث العلمي بكلية الطب جامعة عين شمس أحدها يتعلّق بالعقار الخاص بعلاج فيروس كورونا في محاولة لعلاج المرضى التي وصلت حالتهم لمرحلة حرجة.
ومن الناحية الاقتصادية، تثير الإحصاءات الاقتصادية المخاوف. فقد سجّلت منطقة اليورو في الربع الثاني من العام تراجعًا تاريخيًا بنسبة 12.1% من إجمالي الناتج المحلي بسبب التدابير التي اُتّخذت لاحتواء الأزمة الوبائية، وفي فرنسا، بلغ الهبوط 13.8% في مقابل 18.5% في أسبانيا و10.14% في ألمانيا الموصوفة بأنّها محرّك أوروبا الاقتصادي. وفي ظل إجراءات الإغلاق والتدابير الوقائية التي تتّبعها الدول للنجاة من أزمة وباء كورونا، جاءت الأزمة الاقتصادية لتعصف بالدول حكومة وشعبًا، حيث توقَّعت الأمم المتحدة أن تؤدي جائحة كورونا (كوفيد- 19) إلى خسارة الاقتصاد العالمي خلال عامي 2020 و2021 نحو 8.5 تريليون دولار. وأيضًا تعرَّضت الشعوب لخسائر كبيرة تكبّدتها نتيجة تسريح العُمال، رغم الجهود التي بذلتها مختلف الحكومات في التصدي لهذه الأزمة، ونرى ذلك يتجلَّى في مختلف الدول، ففي بريطانيا سُرِّح 23% من قوة العمل البريطانية تسريحًا مؤقتًا، ودولة مثل الولايات المتحدة واجهت تسريح مئات الآلاف من العمال.
وعلى الرغم من تداعيات جائحة كورونا إلا أن الاقتصاد المصري يحقق نموًا قدره 3.8% لتعد مصر من الدول القليلة جدًا التي استطاعت أن تحقق معدَّل نمو حقيقي موجب خلال عام 2020، وذلك نظرًا للإدارة الرشيدة من قِبَل الحكومة تحت قيادة الرئيس السيسي وتوجيهاته. وإن التعامل الجيِّد مع الموقف هو ما دعا المستثمرين الأجانب للعودة مرة أخرى بشكل قوي منذ بداية منتصف يونيو الماضي، وضخّ مزيد من الاستثمارات في الأوراق المالية الحكومية.
ولعل وباء كورونا -الذي اجتاح دول العالم وما خلّفه من آثار سلبية في الصحة والاقتصاد وغيرها من القطاعات- لعب دورًا في إعلاء مفهوم “مجتمع المصير المشترك للبشرية” وضرورة التكاتف والمساندة بين مختلف الدول في مواجهة الأزمات، فعند الشدائد تظهر المعادن الحقيقية للشعوب. وعلى أثر ذلك نأمل أن يكون للمجتمع الدولي دورًا في توحيد الشعوب بما يخدم مصلحة كل شعبٍ على حدة دون التدخُّل في سياساته وشئونه الداخلية، بل أن يمتزج العالم أجمع في وحدة واحدة تكمِّل بعضها الأخر.

-

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: